عمر السهروردي
18
عوارف المعارف
قال أبو بكر الواسطي رضى اللّه عنه : خلق اللّه تعالى درة صافية ، فلاحظها بعين الجلال ، فذابت حياء منه ، فسالت ، فقال ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) فصفاء القلوب من وصول ذلك الماء إليها . وقال ابن عطاء : ( أنزل من السماء ماء ) هذا مثل ضربه اللّه تعالى للعبد ، وذلك إذا سال السيل في الأودية ، لا يبقى في الأودية نجاسة إلا كنسها وذهب بها ، كذلك إذا سال النور الذي قسمه اللّه تعالى للعبد في نفسه ، لا تبقى فيه غفلة ولا ظلمة ( أنزل من السماء ماء ) يعنى قسمة النور ( فسالت أودية بقدرها ) يعنى في القلوب الأنوار على ما قسم اللّه تعالى لها في الأزل : ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) فتصير القلوب منورة لا تبقى فيها جفوة ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) تذهب البواطل وتبقى الحقائق . وقال بعضهم : ( أنزل من السماء ماء ) أنواع الكرامات ، فأخذ كل قلب بحظه ونصيبه ، فسالت أودية قلوب علماء التفسير والحديث ، والفقه بقدرها ، وسالت أودية قلوب الصوفية من العلماء الزاهدين في الدنيا ، المتمسكين بحقائق التقوى بقدرها . فمن كان في باطنه لوث محبة الدنيا من فضول المال والجاه ، وطلب المناصب والرفعة ، سال وادى قلبه بقدره ، فأخذ من العلم طرفا صالحا ولم يحط بحقائق العلوم ، ومن زهد في الدنيا اتسع وادى قلبه ، فسالت فيه مياه العلوم ، واجتمعت وصارت أخاذات . قيل للحسن البصري : هكذا قال الفقهاء ، فقال : وهل رأيت فقيها قط ، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا . فالصوفية أخذوا حظا من علم الدراسة فأفادهم علم الدراسة العمل بالعلم ، فلما عملوا بما علموا أفادهم العمل علم الوارثة ، فهم مع سائر العلماء في علومهم ، وتميزوا عنهم بعلوم زائدة ، هي علوم الوراثة ، وعلم الوراثة هو الفقه في الدين .